السيد محمد تقي المدرسي
49
من هدى القرآن
والإنسان حينما يشرب شيئاً ساخناً يحترق فمه وجوفه ، ولكن المهل لشدة حرارته فإنَّه يشوي جلد وجه الإنسان قبل أن يشرع في شربه ، فماذا يمكن أن يحصل للبطن والأمعاء عندما يستقر بها ذلك السائل الحارق ؟ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً ليست جيدة تلك الضيافة التي يضيف الله بها عباده الظالمين ، في نار جهنم التي وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً ، ولكنَّ الله ذكَّرهم فأرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، وأنزل القرآن فلم يستمعوا له ولم ينصاعوا للحق ، واختاروا لأنفسهم هذا المصير الأسود . [ 30 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا وفي المقابل لا يضيع الله أجر المحسنين ، وانظروا إلى التعبير القرآني حيث يقول : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ولم يقل أنا لا نضيع أجرهم ، ولعلَّ معناه أن الأجر لا يضيع أنى كان ومن أي إنسان كان . فالعمل الصالح إذا كان منك أيها المؤمن فإن الله لا يضيعه ، فأما أن يعطيك جزاءه في الدنيا وإما في الآخرة ، وكذلك إذا كان من الكافر . فسوف لا يضيعه الله أيضاً ، فأما يعطيه جزاءه في الدنيا أو يخفف عذابه في الآخرة . ولقد قلنا سابقا : إن العمل الصالح تسبقه النية الصالحة ، حيث أن النية الصالحة هي التي تعطي للعمل صبغة الصلاح ، وبدونها يفقد العمل هذه الصبغة مهما كان ظاهره سليماً وصالحاً . [ 31 ] أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ أي جنات باقية دائمة بعكس الدنيا التي تزول . تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ بعكس ذلك الشراب الذي يشوي الوجوه . يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ تماماً بعكس تلك الضيافة السيئة . وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ السندس والإستبرق أنواع من الأقمشة الحريرية الفاخرة مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ أي هم في راحة وهدوء لا يجدون ما يجده الإنسان في الحياة من تعب ونصب ، ولا يحملون هموم العمل والاسترزاق . نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً جاء في حديث عن الإمام علي عليه السلام يذكر فيه بدعائم الأيمان يقول : [ فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ ] « 1 » . فإذا رأيت قصراً لظالم بناه بهدم بيوت الآخرين ، فلا تسمح للشيطان أن يدفعك إلى أن تظلم الناس وتبني قصراً مثله ، ولكن قل إن شاء الله يجعل لي قصراً في الجنة أفضل منه .
--> ( 1 ) الكافي : ج 2 ص 50 .